… و مازال المرضى ضحية السرطان


بقلم / زبيدة كسال

في هاته المناسبة التي تمر علينا كل سنة لنتذكر مرضى
السرطان و مرض السرطان الذي شبحه لم يغادر ديارنا بل أصبح فرداً من العائلة .

في هاته الوقفة المتميزة سأحدثكم ليس عن السرطان في
الجزائر ولا في الجلفة التي يزداد عدد المرضى فيها كل سنة و نفقد كذلك الكثير منهم
كل سنة .

ففي هاته السنة غادرتنا إحداهن التي تابعت حالتها  في أول رحلة لي مع جمعية شعاع الأمل في جويلية
2011 قابلتها لأول مرة و هي صاحبة المقولة التي تركت في نفسي أثر كبير إذا قالت
لنا و نحن مجتمعين في فناء مستشفى فرانس فانون : (( إني كل ما أغمض عيني أتخيل أن
هذا مجرد كابوس و إنني عندما سأفتح عينيا سأجده كالحلم مر علي بسلام )) و عند
عودتنا في الطريق توقفنا عند محطة بنزين و فيها مقهى سألتها إن كانت ترغب في أكل
أو شرب شيء ما فأبت رغم محاولاتي فسألت السائق سبب رفضها و كذا الأخريات من
المريضات أستفسر ذلك لأن يومها كانت درجة الحرارة مرتفعة فرد عليا أنها لا تستطيع
شرب الماء محاولة منها الإحتفاظ بـ
Les Poches مصطلح ما كنت أعرفه من قبل لأن
مرضها يلزمها بهم و كذا العملية التي تعرضت لها و مرت الأشهر حتى وصلتني أخبار
عنها أن حالتها تفاقمت فذهبنا لزيارتها و فتحنا معها جسور صداقة و تعرفت على هاته
الشخصية المؤمنة بقضاء الله و قدره فلم تجد سند في أهلها إلا أباها بل إن أهلها
سبب في عرقلة مسار علاجها بسبب جهلهم بالمرض و جهلهم للدين و جهلهم لمعنى
الإنسانية و الرحمة و رغم كل هذا لم تشتكي يوماً بل تقص لنا بعض معانتها  وكلها أمل في الشفاء و إسترجاع حياتها العادية
من جديد إلا أن هذا المرض لم يرحمها وزادت معاناتها يوما بعد يوم حتى لون جلدها
تغير بعدما كانت شقراء أصبحت سوداء البشرة و بياض عيناها إصفر كنا نحاول أن لا
نظهر أمامها التغيرات التي طرأت عليها كم كان ذلك صعب حتى صوتها تغير مع الأيام و
جسمها الهزيل لم يستطيع المقاومة و إنقطعت على الأكل و الشرب في الـثلاث أشهر
الأخيرة من حياتها ورغبت مرات فقط في أكل طماطم مع الملح لا أكثر، و في آخر زيارة
لي لها كانت في المستشفى سألتها يومها عن سنها فقالت 29 سنة و كانت سعيدة لمغادرة
المستشفى و هي في الكرسي المتحرك كلما صادفنا عقبة ما أوعتبة تطلب مني السماح
فأسألها لماذا و ترد علي أنها أتعبتني بذلك … هكذا كانت شديدة الحياء مرهفة
الإحساس مؤمنة لأبعد الحدود صبورة لا تشتكي إلا لخالقها محافظة على كرامتها و
عزتها وقد قالت يوماً ما في بداية مشاورها العلاجي : (( رغم كلش راني قادرة على
شقايا و أعتز بهذا )) كانت تحمل في نفسها حب للناس و الحياة و أمل كبير نادر ما
رأيت مثيلة لها حتى أن الأطباء توقع أن لا تتجاوز الشهرين إلا أنها ماتت ثلاثة
أشهر بعد توقعهم ماتت في ليلة من ليالي شهر جوان مع طلوع الفجر بعد معاناة دامت
أشهر .

أما قصتي الثانية التي تعرفت عليها فهي شاب في سن 17 سنة
كان شاب محب للحياة مشاغب كأقرانه مدركاً لما حوله رغم صغر سنه راعياً لإخوته
البنات حريص و عطوفاً عليهن محباً لأمه، محب للتجديد يكره الروتين و الملل تعرفت
عليه منذ حوالي سنة أو أكثر كنت لا أراه مريضا رغم تردده الدائم على مستشفى
البليدة و مكوثه هناك لمدة طويلة تصل لشهرين متتاليين أحيانا ورغم المرض كانت
حياته عادية يعيشها كما هي إلا أن هذا المرض لم يرحمه لم يرحم شبابه و عنفوانه و
حبه للحياة  و في خلال عشرون يوما أو ما
يقارب الشهر و بدون سابق إنذار وجد نفسه في الإستعجالات و تدهورت حالته بسرعة لم يترك
المرض فرصة لأهله أن يدركوا أن هذه بداية النهاية، عند زيارتنا له كان يردد أنه لا
يرغب في المكوث في المستشفى يترجى الجميع أن يعيده لبيته رغم حالته الخطرة و حاجته
للعلاج المكثف و المراقبة الطبية الدائمة و كان يرغب بأن يموت بين أهله و أحضان
أبويه في البيت الذي ترعرع فيه و رغم محاولات الجميع لإقناعه بضرورة العلاج إلا
أنه كان مُصر فلم يرحمه هو كذلك المرض و في يوم ممطر بارد قبيل صلاة المغرب رحل و
دع أمه و أوصاها قائلاً : (( يا أمي المرض كان أقوى مني ما إستطعت مقاومته الله
غالب سأرحل يا أمي لخالقي هناك مكاني أدعوا الله أن أجد راحتي هناك فلا تحزني و
أدعوا الله أن يقويك و أن تصبري إلى أن ألقاك عند الله و إن شاء الله الجنة ))

و وعدته أمه بأن
تلتزم بوصيته و كلها إيماناً بقدر الله، حيث أن المرض هدم جسمه و دعت الله أن يريح
إبنها الوحيد و أن يعينها في تحمل فراقه داعية له بالجنة .

  لا يمكن لأحد
أن يتخيل ما يعاني به مرضى السرطان ما لم يعاشرهم و هذا لأن الألم  لا يشعر به إلا من ذاقه ….

  أدعوا الله أن
يرحمكما بالخصوص أنتما و أن يكون مثواكما الجنة كم سعدت بمعرفتكما و هذا السعادة
يقاسمها كل من عرفكما عن قرب لطيبة قلبكما و صبركم المثالي و حبك و أملكم في
الحياة و إيمانكم بقدر الله و قضاءه .

ورحمة لله لكل موتى المسلمين و دعواتي لكل المرضى بالشفاء و الصبر و أن
يتمسكوا بالعلاج و الوقاية و المتابعة رغم الآلم و الصعوبات و السفر الدائم و….
إلخ ، و أن يهدينا الله نحن في بعض الذهنيات المتخلفة التي تظن أن المرض معدي و
سوء معاملة مرضنا .

 

يمكنك إضافة تعليق, أو تعقيب من خلال موقعك.

أضف تعليق

Poweraed by EventsCampus | Developed, Designed and Translated by: General
Best Verizon phone upgrade deals | Thanks to iCellPhoneDeals.com, Facebook Games and The Diet Solution Program Scam